الشيخ محمد علي الأنصاري
595
الموسوعة الفقهية الميسرة
هذا هو المعروف بين الإماميّة كما قلنا ، لكن ذهب الأخباريّون منهم إلى حرمة التقليد ، نظراً إلى حرمة الإجتهاد والعمل بالرأي والنظر ، كما هو مبناهم « 1 » . ولكن رُدَّت هذه الفكرة من قِبل الفطاحل من العلماء « 2 » ، وباتت لا موقع لها في مجال استنباط الأحكام . أدلّة مشروعيّة التقليد : استدلّوا على مشروعيّة التقليد وجوازه بالمعنى الأعمّ ، أي المقابل لحرمته ، بالأدلّة التالية : أوّلًا - الكتاب : استدلّ الأُصوليّون على جواز التقليد من 1 - آية النَّفر : وهي قوله تعالى : « فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » « 3 » . فالآية تدلّ على وجوب النَّفر حسبما تدلّ عليه « لولا » التحضيضيّة ، وتدلّ على وجوب التفقّه والإنذار معاً ؛ لأنّهما الغاية الداعية للنَّفر ، كما تدلّ على أنّ مطلوبيّة التفقّه والإنذار لغاية احتمال حصول التحذّر بواسطتهما ، وحيث إنّ الآية مطلقة ، فيستفاد منها : أنّ التحذّر عقيب الإنذار واجب مطلقاً ، سواء حصل العلم من إنذار المنذِر أم لم يحصل . وبالجملة فالآية لها عدّة دلالات : منها - دلالتها على وجوب التقليد في الأحكام ؛ لدلالتها على وجوب التحذّر بإنذار الفقيه ، وهو إنّما يتحقّق بالعمل على إنذاره وفتواه . ومنها - دلالتها على حجيّة إنذار الفقيه وإفتائه ؛ لأنّه لو لم يكن إنذاره حجّة لما كان وجهٌ لوجوب التحذّر بإنذاره « 4 » . 2 - آية الذِّكر : وهي قوله تعالى : « فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » « 5 » .
--> ( 1 ) قال صاحب الوسائل - الحرّ العاملي - بعد ذكر الرواية التي ورد فيها : « وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه . . . فللعوام أن يقلّدوه » : « أقول : التقليد المرخّص فيه هو قبول الرواية ، لا قبول الرأي والاجتهاد والظنّ » . الوسائل 27 : 131 ، الباب 10 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 20 . ورفض الاسترآبادي - وهو من المتشدّدين في المنهج الأخباري - تقسيم المكلّف إلى مجتهد ومقلِّد . أُنظر الفوائد المدنية : 263 . وممّن نسب إليه القول بحرمة التقليد ابن زهرة فيالغنية ( قسم الأُصول ) : 414 . ( 2 ) منهم ، بل على رأسهم الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائرية : 131 ، ومن جملة ما قاله هو : « . . . مع أنّ الأخباري إنّما ينكره باللسان ، وإلّا فمداره على ذلك . . . » ، وهو ما أشرنا إليه في المتن . الكتاب بآيتي النَّفر والذّكر ، على النحو التالي : ( 3 ) التوبة : 122 . ( 4 ) التنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 86 . ( 5 ) الأنبياء : 7 ، والنحل : 43 .